بقلم: فريد فرحاتي - مدرب مهارات التفكير والتعلم
يُعرَّف الذكاء الوجداني في السيكولوجيا الحديثة بأنه القدرة المنظَّمة على إدراك الانفعالات الذاتيّة وفهمها بدقّة، بالإضافة إلى امتلاك الكفاءة اللازمة لتوجيه هذه الانفعالات وضبطها وتوظيفها في إنجاح التفاعلات الاجتماعيّة وبناء العلاقات الإنسانيّة المستقرّة. يسهم هذا النمط من الذكاء في تفسير الفروق الفرديّة بين الأشخاص في كيفيّة التعامل مع الأزمات النفسيّة والمواقف الحياتيّة المعقَّدة، حيث لا يتعلّق الأمر بالقدرات العقليّة المجرَّدة أو بمستوى الذكاء المنطقي فقط، بل يرتبط بمدى قدرة الفرد على فرز المشاعر المتناقضة وتسميتها وتوجيهها بشكل عقلاني يخدم مصلحته ومصلحة المحيطين به.
يتأسّس هذا المفهوم النفسي على أبعاد أساسيّة تبدأ من الوعي بالذات وفهم الدوافع الداخليّة الخفيّة التي تحرّك السلوكات البشريّة، وتمرّ عبر الإدارة الذاتيّة التي تمنع الاندفاعات العاطفيّة غير المحسوبة وتُوجِّه الانفعالات نحو مقاصد عقلانيّة، وتصل إلى الوعي الاجتماعي المتمثّل في فهم انفعالات الآخرين وتفهّم مواقفهم النفسيّة، وصولا إلى إدارة العلاقات التي تُبنَى على التفاهم المشترك والتواصل الفعّال من دون تصادم أو نزاع غير مبرَّر. تترابط هذه المكوّنات فيما بينها لتشكّل منظومة متكاملة تضمن للفرد القدرة على التكيّف مع المتغيّرات المحيطة به بكفاءة عالية.
تتعدّد المجالات اليوميّة التي يظهر فيها الأثر المباشر لامتلاك الذكاء الوجداني، حيث يتجلّى في البيئات المهنيّة والأسريّة والاجتماعيّة على النحو التالي:
إدارة الضغوط في بيئة العمل: يسهم الاستقرار الوجداني في تمكين الموظّف أو القائد من اتّخاذ قرارات عقلانيّة متّزنة في أوقات الأزمات، ممّا يقلّل من حدّة النزاعات الوظيفيّة ويحقّق إنتاجيّة عالية تُوجَّه لصالح الأهداف المؤسّساتيّة.
بناء العلاقات الأسريّة المستقرّة: يمثّل التواصل القائم على تفهّم مشاعر الشريك أو الأبناء ركيزة أساسيّة لحلّ المشكلات التربويّة والزوجيّة، إذْ يُتَاح للأفراد التعبير عن احتياجاتهم النفسيّة من دون خوف من الأحكام المسبقة، الأمر الذي يعزّز الاستقرار النفسي داخل الأسرة.
الصحة النفسيّة الفرديّة: يؤدّي الوعي بالانفعالات وضبطها إلى حماية الذات من الاضطرابات النفسيّة مثل القلق المزمن أو الاكتئاب الناتج عن تراكم الانفعالات غير المفهومة أو غير المُوجَّهة بشكل سليم.
إنّ غياب الكفاءة الوجدانيّة لدى الفرد يؤدّي إلى حدوث اضطرابات واضحة في بنيته النفسيّة وفي علاقاته الاجتماعيّة المتنوّعة، وتتمثّل أبرز الخسائر في النقاط التالية:
فقدان السيطرة على السلوكات الذاتيّة: يصبح الشخص الذي يفتقر إلى الوعي الانفعالي عرضة للاستجابات الاندفاعيّة الحادّة، حيث تُوجِّه انفعالاته اللحظيّة تصرّفاته نحو أفعال هجوميّة أو انسحابيّة غير مدروسة، الأمر الذي يتسبّب في إنهاء علاقاته المهنيّة والشخصيّة بسرعة كبيرة.
العجز عن تحقيق التواصل الإنساني العميق: يؤدّي غياب التعاطف وفهم مشاعر الآخرين إلى نشوء حالة من التباعد العاطفي في العلاقات، ممّا يجعل الفرد يعيش في عزلة نفسيّة حتّى وإن كان محاطا بالناس، نظرا لعدم قدرته على فهم التتعبييرات الانفعاليّة لمن حوله وتلبية احتياجاتهم النفسيّة الأساسيّة.
الفشل في حلّ النزاعات الشخصيّة: تتحوّل الخلافات البسيطة في غياب النضج الوجداني إلى أزمات كبرى وخلافات شخصيّة حادّة، حيث يركّز الفرد على إثبات صحّة موقفه فقط من دون النظر إلى مسبّبات المشكلة الحقيقيّة أو مراعاة مشاعر الطرف الآخر، ممّا يؤدّي إلى تفكّك الروابط الاجتماعيّة.
تدهور الصحّة النفسيّة والجسديّة: يتسبّب الكبت المستمرّ للانفعالات أو التعبير العنيف عنها في رفع مستويات التوتّر والضغط النفسي، ومِن ثمّ يَقِلّ الاستقرار النفسي للفرد وتظهر الأعراض السيكوسوماتيّة والاضطرابات النفسيّة المتنوّعة التي تُضعِف جودة الحياة بشكل عامّ.
يتّضح إذًا أنّ الكفاءة الوجدانيّة تشكّل الركيزة الأساسيّة لتوازن الإنسان النفسي وتوافقه الاجتماعي، وبناء عليه، فإنّ تنمية هذه المهارات لا تعدّ مسألة ثانويّة، بل هي ضرورة حتميّة لحماية الذات من التفكّك والاضطراب، وتحقيق جودة الحياة في المجالات كافّة.